عبد الرحمن بدوي
73
أرسطو عند العرب
قال « 1 » : إنه لما كان مبدأ الأشياء كلها الباقي بذاته والحق بذاته ، كانت الأشياء كلها نازعة إليه إما بالاختيار وإما بالإرادة وإما بضرب من الإلهام وإما بحسب ( ميل ) الطباع إلى حب البقاء ، وطلبه بالشخص أو تخيله ليبقى بها بالنوع ولتحركه بذلك . قال « 2 » : إن جميع ما يتأدى إليه الوجود داخل في العناية الأولى ، وبسبب العناية الأولى [ 153 ب ] ما يحال العفونات إلى حيوانات هي أشرف من أن تكون عفونات ، وهي التي تغتذى بالعفونات فتأخذها من الهواء ومن الماء ومن الأرض كأنها كسّاخات للعالم . قال « 3 » : ليست الفضائل - وبالجملة ، المعاني المعقولة - مرتسمة في النفس بالفعل دائما كأنها تنظر إليها ، بل إنما تحضرها إذا فكرت فيها . فأقول إنها إذا كانت طالبة لها فكرت ، وإذا كانت واجدة لها ، فكلما شاءت أقبلت عن الأمور البدنية إلى جانب العقل فاتصلت بالعقل . وإنما لا تتمثل المعقولات عند العقل دائما بالفعل لأن النفس منا تخلو عنها ، ولو لم تخل عنها لكانت متمثلة بالفعل بها وليس لها خزانة كالذكر ، فإن الذكر للمحسوسات ؛ بل للنفس اتصال وانفصال ، والذكر طلب استعداد تام الاتصال . فإذا فكّرت وعلمت ، كان لها أن تتصل متى شاءت ، وأما أن الخطأ كيف يقع منها وكيف يزول عنها وكيف يعود إليها ، ففيه كلام طويل . [ حجج أفلاطون على بقاء النفس . قال : « النفس الناطقة تعرف ذاتها والأشياء التي لا تلابس الهيولى البتة . وكلّ ما يعرف ذاته والأشياء التي لا تلابس الهيولى البتة فإنه غير جسم ومفارق للأجسام » . أما : غير جسم ، فلأنه يعرف ذاته ، وأما : مفارق للأجسام ، فلمعرفته بالأشياء التي لا تلابس الهيولى البتة . فالنفس الناطقة إذن غير جسمانية ومفارقة للأجسام . وكل ما ليس بجسم ومفارق للأجسام لا ينحلّ كانحلال الأجسام ولا يتفرق ولا يبيد إذا فارق البدن كما يبيد العرض . فالنفس الناطقة إذن لا تنحل ولا تبيد إذا فارقت
--> ( 1 ) « ونحن أيضا قوامنا وثباتنا بالفاعل الأوّل وبه نتعلق وعليه اشتياقنا وإليه نميل وإليه نرجع ، وإن نأينا عنه وبعدنا فإنما مصيرنا إليه ومرجعنا » ( ص 132 س 12 - س 14 ) . ( 2 ) يجوز أن تكون الإشارة إلى قوله : « ويرى هناك العقل الشريف قيّما ( في المطبوع : فيما ) عليها ومدبرا لها بحكمة لا توصف وبالقوة التي جعل فيه مبدع العالمين جميعا » ( ص 107 س 1 - س 3 ) أو إلى مواضع مختلفة من العناية الإلهية وردت في أماكن متفرقة من الكتاب . ( 3 ) يجوز أن تكون الإشارة إلى ص 133 وما يليها ؛ ولكن الإشارة غير صريحة .